قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في حديث للصحفيين يوم الأربعاء الماضي، أنه لن يسمح مطلقا لإيران بامتلاك سلاح نووي مهما كلفه ذلك, ولطالما تحدث عن أن السبب الأساسي للحرب على إيران هو وقفها عن امتلاك سلاح نووي, ربما أراد ترامب بهذه التصريحات إرسال رسالة إلى الصين قبيل اللقاء المرتقب بينه وبين الرئيس الصيني شي جين بينج في بكين هذا الأسبوع, فحتما ستكون إيران على قمة الموضوعات المطروحة للنقاش بينهما.
على الجانب الآخر وفي نفس السياق بدأ الأمريكان أنفسهم يطرحون على ترامب السؤال الذي لطالما تخوف منه: لماذا إذا تتساهلون في مسألة امتلاك إسرائيل لسلاح نووي؟ حيث فجّرت رسالة وقّعها عشرات النواب الديمقراطيين مؤخرا جدلا واسعا بشأن البرنامج النووي الإسرائيلي، في خطوة غير مسبوقة تكسر صمتا سياسيا استمر لعقود, في تطور لافت داخل دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة، وبحسب ما أوردته صحيفة واشنطن بوست، فقد دعا النواب الإدارة الأمريكية إلى الاعتراف العلني بامتلاك إسرائيل أسلحة نووية، محذرين من أن استمرار سياسة الغموض لم يعد قابلا للاستمرار في ظل الحرب الجارية مع إيران، وما يرافقها من مخاطر تصعيد غير محسوبة.
التحرك داخل الكونجرس في رأيي يفضح سياسة الكيل بمكيالين في التعامل مع الملف النووي, إذ تدعم واشنطن إسرائيل في الحفاظ على ترسانة نووية غير معلنة، بينما تخوض صراعا مع إيران تحت شعار منع الانتشار النووي، وهو ما يعزز الاتهامات بازدواجية المعايير, فهل مثلا نووي إسرائيل "لطيف" و نووي إيران "سام"؟! .. يبدو أن هناك رغبة متزايدة في الداخل الأمريكي لإنهاء عقود من الصمت الرسمي بشأن القدرات النووية الإسرائيلية, حيث لم يعد الغموض مبررا في ظل انخراط الولايات المتحدة في صراع مباشر إلى جانب إسرائيل ضد إيران.
هذه الرسالة تأتي في سياق تحولات أعمق داخل الحزب الديمقراطي، حيث يتزايد الضغط لمراجعة العلاقة مع إسرائيل بشكل عام، خاصة مع تصاعد الانتقادات لسلوكها العسكري في المنطقة، وتنامي المخاوف من انزلاق الصراع إلى مستويات أكثر خطورة, فالسياسة الأمريكية تشهد اليوم أكثر من أي وقت مضى تحولا فكريا عميقا يضرب العلاقة التقليدية بين أمريكا وإسرائيل، ليس فقط داخل الحزب الديمقراطي كما كان الحال خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، بل أيضا داخل التيار اليميني الشعبوي المرتبط بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب, وما من شك أن الحرب التي شنتها أمريكا إلى جانب إسرائيل، ضد إيران سرعت هذا التحول، ودفعت قضية إسرائيل إلى قلب الصراع الداخلي في السياسة الأمريكية.
الرأي العام الأمريكي يتحدث الآن عن المخاطر وعن أحقية المواطن الأمريكي و تحديدا الجندي الذي يشارك في الحرب في معرفة طبيعة المخاطر التي قد يواجهونها من التهديدات النووية المحتملة, تحدثت مثلا النائبة في الكونجرس "براميلا جايابال"، عن أن الكشف عن هذه المعلومات ضرورة ملحة لتقليل احتمالات وقوع كارثة نووية، معتبرة أن الشفافية باتت جزءا من متطلبات الأمن القومي.
اللافت في رأيي أن مناقشة هذا الملف علنا داخل الكونجرس والذي كان يعد في السابق من المحظورات السياسية، نظرا لحساسيته وتعقيداته الاستراتيجية, يجعل هذه الخطوة تتجاوز كونها لعبة انتخابية قبيل انتخابات التجديد النصفي لتشير إلى تحول سياسي أوسع قد يمثل نهاية لسياسة أمريكية استمرت منذ ستينيات القرن الماضي، حين تم التوصل إلى تفاهم غير معلن يسمح لإسرائيل بالحفاظ على "الغموض النووي" مقابل عدم إجراء تجارب أو إعلان رسمي, كما يعكس هذا التحول أيضا تغير المزاج العام تجاه إسرائيل وتزايد حالة التململ داخل القاعدة الديمقراطية، التي باتت أكثر انتقادا للسياسات الإسرائيلية، وأقل تقبلا للمعايير المزدوجة في ملفات مثل حقوق الإنسان والانتشار النووي.
حراك وتصريحات تضع الإدارة الأمريكية أمام معادلة معقدة، بين الحفاظ على التوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وبين الاستجابة لمطالب الشفافية المتزايدة داخل الكونغرس, وتعكس بلا شك توجها متصاعدا داخل الحزب الديمقراطي نحو فرض معايير أكثر صرامة في التعامل مع ملف الانتشار النووي، بما في ذلك إخضاع إسرائيل للمعايير نفسها التي تطبق على دول أخرى في المنطقة.
بين مقتضيات السياسة الواقعية وضغوط الشفافية ، تبدو واشنطن أمام اختبار معقد قد يعيد رسم ملامح سياستها في الشرق الأوسط، في وقت تتزايد فيه احتمالات التصعيد وتتعاظم المخاوف من انزلاق الصراع إلى مستويات غير مسبوقة.